أبو حامد الغزالي

25

تهافت الفلاسفة

جنس أماني الذي كان من قبل في التقليديات ، ومن جنس أمان أكثر الخلق في النظريات ، أم هو أمان محقق لا غدر فيه ولا غائلة له ؟ فأقبلت يجد بليغ ، أتأمل في المحسوسات والضروريات ، وأنظر هل يمكنني أن أشكك نفسي فيها ، فانتهى بي طول التشكيك إلى أن لم تسمح نفسي بتسليم الأمان في المحسوسات أيضا ، وأخذ يتسع هذا الشك فيها ويقول : من أين الثقة بالمحسوسات ، وأقواها حاسة البصر ، وهي تنظر إلى الظل فتراه واقفا غير متحرك ، وتحكم بنفي الحركة ؟ ثم بالتجربة والمشاهدة بعد ساعة تعرف أنه متحرك ، وأنه لم يتحرك دفعة بغتة ، بل على التدريج ذرة ذرة ، حتى لم تكن له حالة وقوف . وتنظر إلى الكوكب فتراه صغيرا في مقدار دينار ، ثم الأدلة الهندسية تدل على أنه أكبر من الأرض في المقدار . هذا وأمثاله من المحسوسات يحكم فيه حاكم الحس بأحكامه ، ويكذبه حاكم العقل ويخونه ، تكذيبا لا سبيل إلى مدافعته . فقلت : قد بطلت الثقة بالمحسوسات أيضا ، فلعله لا ثقة إلا بالعقليات التي هي من الأوليات ، كقولنا : العشرة أكثر من الثلاثة ، والنفي والأثبات لا يجتمعان في الشئ الواحد ، والشئ الواحد لا يكون حادثا قديما ، موجودا معدوما ، واجبا محالا . فقالت المحسوسات : بم تأمن « 1 » أن تكون ثقتك بالعقليات كثقتك بالمحسوسات وقد كنت واثقا بي ، فجاء حاكم العقل فكذبني ، ولولا حاكم العقل لكنت تستمر على تصديقي ؟ فلعل وراء إدراك العقل حاكما آخر ، إذا تجلى كذب العقل في حكمه ، كما تجلى حاكم العقل فكذب الحس في حكمه ، وعدم تجلى ذلك الإدراك لا يدل على استحالته . فتوقفت النفس في جواب ذلك قليلا ، وأيدت أشكالها بالمنام وقالت : أما تراك تعتقد في النوم أمورا وتتخيل أحوالا وتعتقد لها ثباتا واستقرارا ، ولا تشك في تلك الحالة فيها ، ثم تستيقظ فتعلم أنه لم

--> ( 1 ) في الأصل الذي نقلت عنه « تأمل » .